تحويل صفاتنا إلى أحوال

تم نشرها بتاريخ 2021-02-05

يولد كلاً منا بصفات شخصية تميزه عن غيره، قد يولد أحدنا إجتماعي وآخر انطوائي، أحدنا فكاهي وآخر جِدّيّ، أحدنا هادئ وأخر عصبي. قد تسيطر هذه الصفات على شخصيتنا لنكون طائعين لها، نظهرها وننفذها بشكل واضح لتكون هي الواجهة لشخصيتنا، فيصفوننا بها، وباﻷخص في مرحلة الطفولة والمراهقة نشعر أن هذه الصفات تمثلنا وتجسدنا لنظهرها في أقصى أشكالها. 



بعد مرحلة الطفولة والمراهقة، نتمكن من فهم شخصيتنا أفضل وهل حقا ما يصفنا به الناس هو صحيح؟هل يمثل حقا من أنا؟ أو هل هذه هي الصفات التي أريد الناس أن يتذكروني بها؟ ماهي الشخصية التي أريد أن أكون وأن أتصف بها؟ 


في هاتين المرحلتين يقوم بعض الناس للأسف بزيادة التركيز على صفات من حولهم بتثبيتها لهم، فكلنا نتذكر هذه الفترة كيف كانت أحدى هذه الصفات أو بعض منها طاغية على شخصيتنا ويصفنا الناس بها "إنه طفل عنيد"، "أنها شابة إجتماعية" وما إلي ذلك، للأسف هذه الأقوال تزيد من تثبيت الصفة لدى الطفل أو المراهق فيظن أنه يجب أن يلتزم بها وأن فعل عكس ذلك لا يمثله.

أتذكر أنني كنت خجولة وإنطوائية، ولكن في بعض أحيان أتحمس للكلام والمشاركة مثلا، فبعد المشاركة كان يقال لي مثلا "لماذا لا تشاركنا الحديث" وغيرها من العبارات التي يظن الناس أنهم كانوا يشجعوني بها ولكن في الحقيقة كانت تزيد الامر سوء، وبعدها كنت أشعر أنني خالفت صفة من صفاتي وكأن هذه الصفة كانت قاعدة مكتوبة ولزم علي إتباعها فكنت أعود لأتمسك بصفة قلة الكلام أكثر من قبل.

 

بعد هذه مرحلة المراهقة، يزداد ووعينا أكثر بمن نحن وكيف نريد أنفسنا ونبحث عن قدوة نتبعها، أتذكر خلال هذه المرحلة كنت أتحاور مع عمتي على كيفية التحكم بصفاتنا وأفعالنا وإن كانت تخالف الصفات التي اكتسبناها في مرحلة الطفولة، فقالت لي أن أركز على أشخاص هم قدوة لي أو أن أبتكر شخصية "خولة" خيالية التي لاتلتزم بصفات محددة بل تتصف كل مرة بصفة مختلفة بما يناسب كل موقف، وفي كل مرة أقدم فيها على شيء أن أراجع هذه القدوة ماذا كانت ستفعل؟ أي صفة كانت ستستعمل؟ تدارك الموقف بالفكاهة أو ستكون جدية؟ هل ستقدم على المصارحة بشيء أو تفضل السكوت؟


بهذه الطريقة تمكنت من التحكم أكثر بصفاتي واستخدام كل منها في الوقت المناسب لها، يمكنني القول أنني أحاول تحويل الصفات إلى أحوال، الصفة هي ماتحدد صاحبها أما الحال فهو مايحدد هيئة صاحبها خلال وقت معين. صحيح أن صفتنا ستطغى دائما ولكن بالتكرار والتدريب نستطيع إدارتها والتحكم بها. فأنا الآن يمكن أن أكون خجولة في بعض اﻷحوال وإجتماعية في بعض الآخر، هل هذا يعني أنه يوجد خطأ ما، أبداً هذا هو العمل الصحيح لإنه لكل موضع وموقف وقفة ورد فعل مختلف أخذه.



ماذا عن عاداتنا أن نخبر من حولنا بصفتهم، هل نتخلص منها؟ عندما كنت أفكر بهذا الموضوع خطر عليا هذا السؤال وسألت نفسي إذا كان الذي يدعوني به الناس يجعلني أشعر أن هذه صفة من الصفات التي يجب أن أتمسك بها وكأنها قاعدة، لماذا لا نستخدمها للصفات التي يجب علينا الإلتزام بها وتثبيتها بداخلنا، فمثلا لو تحولت جملة "لماذا لا تشاركنا الحديث" إلى "إنك تحبين الاستماع إلى اﻷخرين" فبالتأكيد أن لهذه تأثير أفضل فسأكون فرحة بها وأيضا وأحاول التمسك بها والإستماع والإهتمام بأحاديث وحوارات من حولي، أو مثلا أن نوصف الطفل بأنه "صادق" ألن يشعر الطفل داخليا أنه حقا صادق وأنه يجب أن يلتزم بهذه الصفة دائما، ألن يعود هذا بالنفع عليه ليكبر بصفات حميدة.


القصد من هذه المقالة ليس تأنيب وعتاب الناس بأقوالهم، بل أنا أتفهم أن الكلام مسألة يصعب التحكم بها وأحيانا تخرج كلماتنا مخالفة لما نعني ولكني أردت تسليط الضوء على مسألة وصف الاطفال بالصفات التي يظهرونها خلال مرحلة طفولتهم وما هي الأثار السيئة التي يمكن أن تسببها، تكلمت عن تجربتي الشخصية لأنني أظن أنها ستكون تجربة مشابهة لشخص آخر باختلاف الصفات فقط. وأيضا أتمنى أن أتمكن من تذكر هذا الموضوع دائما قبل تحاوري أو وصفي للأشخاص لكي لا أكرر اﻷخطاء.


خولة الشح

تمت كتابتها بواسطة خولة الشح